السيد كمال الحيدري
409
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مهما يكن الأمر فإنّ بين الإجابات قاسماً مشتركاً يفيد معنى الخضوع والاحترام والإكرام والتبجيل والانقياد والطاعة . فهذا الموجود الأرضي استحقّ ذلك كلّه وأن يكون مسجود الملائكة ، لأنّ فيه نفخة من روح الله ، وهو يحمل الحقائق أو الأسماء التي تأهّل بها لخلافة الله ربّ العالمين ، وأن يكون موضعاً لخضوع الملائكة أجمعين وانقيادها له . حين تنعطف هذه الحقيقة في الموقع الذي تبوّأه الخليفة الإلهى على ما مرّ الحديث عنه من دور الملائكة في نظام التكوين ، سنخرج بحصيلة مضاعفة عن الدور الوجودي لهذا الموجود الأرضي . لقد مرّ تفصيلًا في بحث « الأسماء الحسنى » حديث القرآن الكريم على أنّ للملائكة الكرام شأناً في تدبير عالم الإمكان على إطلاقه : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 1 » وأنّها تنهض بمسؤولية وجودية تكوينيّة في نظام التكوين عهدت إليها من قبل الله سبحانه : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ « 2 » . فالله سبحانه هو المميت : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا « 3 » ، بيد أنّه شاء بحكمته وفى نطاق النظام الأحسن الذي يجرى عليه الوجود وعالم الإمكان ، أن تنهض رُسل الله الكرام بهذه المهمّة كما غيرها من المهامّ التي جرى عنها الحديث تفصيلًا في البحوث السالفة . حين يكون مثل هذا الدور الوجودي التكويني في تدبير عالم الإمكان على إطلاقه ثابتاً للملائكة ، وحين يثبت هنا من مقتضى سجود الملائكة للخليفة الأرضي خضوعها لهذا الموجود وأنّها مطيعة له منقادة إليه ؛ فستكون النتيجة أنّ جميع هؤلاء الملائكة إنّما هم تحت هذا الخليفة وإدارته وأمره ، كما يومئ إليه قوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا . هذا الخليفة هو منشأ تدبير الملائكة ،
--> ( 1 ) النازعات : 5 . ( 2 ) السجدة : 11 . ( 3 ) الزمر : 42 .